سيد محمد طنطاوي
498
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والاستفتاء : طلب الفتيا من الغير . والفاء في قوله * ( فَلا تُمارِ ) * للتفريع . أي : إذا كان الشأن كما أخبرناك عن حال أصحاب الكهف ، فلا تجادل في أمرهم أحدا من الخائضين فيه إلا جدالا واضحا لا يتجاوز حدود ما قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - ولا تطلب الفتيا في شأنهم من أحد ، لأن ما قصصناه عليك من خبرهم ، يغنيك عن السؤال . وعن طلب الإيضاح من أهل الكتاب أو من غيرهم . ثم نهى اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم عن الإخبار عن فعل شيء في المستقبل إلا بعد تقديم مشيئة اللَّه - عز وجل - فقال : [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 23 إلى 24 ] ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه واذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ( 24 ) قال القرطبي : قال العلماء : عاتب اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم على قوله للكفار حين سألوه عن الروح والفتية وذي القرنين : غدا أخبركم بجواب أسئلتكم ، ولم يستثن في ذلك . فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه ، وأرجف الكفار به ، فنزلت عليه هذه السورة مفرّجة . وأمر في هذه الآية ألا يقول في أمر من الأمور إني أفعل غدا كذا وكذا ، إلا أن يعلق ذلك بمشيئة الله - عز وجل - حتى لا يكون محققا لحكم الخبر ، فإنه إذا قال : لأفعلن ذلك ولم يفعل : كان كاذبا ، وإذا قال ، لأفعلن ذلك - إن شاء اللَّه - خرج عن أن يكون محققا للمخبر عنه « 1 » . والمراد بالغد : ما يستقبل من الزمان ، ويدخل فيه اليوم الذي يلي اليوم الذي أنت فيه دخولا أوليا . وعبر عما يستقبل من الزمان بالغد للتأكيد . أي : ولا تقولن - أيها الرسول الكريم - لأجل شيء تعزم على فعله في المستقبل : إني فاعل ذلك الشيء غدا ، إلا وأنت مقرن قولك هذا بمشيئة اللَّه - تعالى - وإذنه ، بأن تقول :
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 385 .